حسن الأمين
235
مستدركات أعيان الشيعة
والعجيب أن الكاتب لا يحاسبهم على تصرفاتهم المشبوهة هذه ، ويريد أن يحاسب الشيعة - ظلما - على ما لم يقصروا فيه ! 9 - قوله : والدكتور سامي النشار وضعها على أساس منطقي فلسفي مؤداه « إن الفعل لا يصح إلا من جسم ، والله فاعل فوجب أنه جسم » وأن معنى « الجسم » أنه « موجود » . . . إلى آخره . أقول : ليس الدكتور النشار هو الذي وضع هذا الأساس لنظرية هشام ، بل هشام نفسه وضع هذا الأساس واستدل به على اصطلاحه في « الجسم » بمعنى « الشيء » و « الموجود » ، كما ذكرناه سابقا مفصلا ، وقد تناقلته المصادر القديمة . وهذا دليل آخر على تقصير الكاتب في تتبعه ، وخاصة للمصادر القريبة منه ، واعتماده الأساسي على فكر الغربيين وأعداء التشيع ، وإلا فهذا كتاب الكشي من المصادر الأصيلة ، وكذلك كتاب « التوحيد » للشيخ الصدوق ، وهو في متناول يده ، ويحتوي على أهم ما يرتبط بالموضوع ، فلما ذا يتركه ويلجا إلى كلمات النشار وأمثاله . ولئن أخفى النشار مصدره الذي استقى منه هذه الفكرة الفلسفية ، فان وجود ذلك لا بد أن يكون مدعاة للكاتب إلى أن ينصرف عن إصراره على أن يجعل من هشام رجلا يقول بالتجسيم للبارئ ، بمعنى اعتبار المادة المعينة إلهية ، لا تدرك بالحواس ، كما انتهى إليه في مجلة « الايمان » النجفية . 8 - موقف الأئمة من مقولة هشام : إن لأئمة أهل البيت ع مواقف حاسمة في الدفاع عن الحق ، وبيان الحقيقة ، وفي خصوص مجال التوحيد والتنزيه ، وقد أفصحوا عن ذلك بأقوال صريحة ، قاطعة ، محكمة ، جمعتها صحف أصحابهم ، ومؤلفات أوليائهم ، وحفظتها صدور قوم مؤمنين ، وهم يتلونها على المنابر ، وفي المجالس ، على ألسنة المبلغين رسالات الله ، فتطمئن بها قلوب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . فهذا رسول الله ص يقول - وهو يخاطب الذين قالوا : إن الله يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصور - : أخطاتم الطريق وضللتم ، أما أنتم فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات ! أويحل ربكم في شيء ، حتى يحيط به ذلك الشيء ؟ ! فأي فرق بينه - إذن - وبين سائر ما يحل فيه من لونه ، وطعمه ، ورائحته ، ولينه ، وخشونته ، وثقله ، وخفته ؟ ؟ ولم صار هذا المحلول فيه محدثا ، وذلك قديما ، دون أن يكون ذلك محدثا وهذا قديما ؟ ( 1 ) وهذا أمير المؤمنين الإمام علي ع قد سبق كل الموحدين في التوحيد الكامل ، والتنزيه الشامل ، في خطبه وبياناته ، والمعتزلة - المدعون للسبق في ذلك - اعترفوا بان خطب الامام ع في بيان التشبيه وإثبات العدل أكثر من أن تحصى . قال يحيى بن حمزة العلوي - من أئمة الزيدية - : وأعظم كلامه ما حواه كتاب « نهج البلاغة » وقد تواتر نقله عنه ، واتفق الكل على صحته ، وقد أورد فيه من الترغيب والترهيب ، والتخويف والتقريب ، والمواعظ والزجر ، وخلاص التوحيد ، وصريح التنزيه ، ولطائف الحكم ، ومغاصات الأفهام ، ما يبهر القرائح ، وتحار في إتقانه العقول ، ويذهل الفهم ( 2 ) فمن خطبه له : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال تصديقه توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف انه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال : فيم ؟ فقد ضمنه ، ومن قال : علا م ؟ فقد أخلى منه ، كائن لا عن حدث ، موجود لا عن عدم ، مع كل شيء لا بمزايلة ( 3 ) وفي خطبة أخرى : الحمد لله الذي لا يموت ، ولا تنقضي عجائبه ، . . . ولم تقع عليه الأوهام فتقدره شبحا مائلا ، ولم تدركه الأبصار فيكون بعد انتقالها حائلا . . . ( 4 ) وفي ثالثة : الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ، ولا تحويه المشاهد ، ولا تراه النواظر ، ولا تحيط به السواتر ، الدال على قدمه بحدوث خلقه ، وبحدوث خلقه على وجوده ، وباشتباههم على ألا شبه له ( 5 ) وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدين ع : من كان ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، كان نعته لا يشبه نعت شيء فهو ذاك ( 6 ) وقال ع : إلهي يدك قدرتك ، والتقدير على غير ما به وصفوك ، وإني بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ، ليس كمثلك شيء إلهي ، ولن يدركوك ، وظاهر ما بهم من نعمك دليلهم عليك لو عرفوك ، وفي خلقك يا إلهي مندوحة أن يتناولوك ، بل سووك بخلقك ، ومن ثم لم يعرفوك ، واتخذوا بعض آياتك ربا فبذلك وصفوك ، تعاليت عما به المشبهون نعتوك ( 7 ) وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق ع - في جواب من قال : ما هو ؟ - : هو شيء بخلاف الأشياء ، أرجع بقولي « شيء » إلى إثبات معنى ، وأنه « شيء » بحقيقة الشيئية ، غير أنه : لا جسم ، ولا صورة ، ولا يحس ، ولا يجس ، ولا يدرك بالحواس الخمس ، لا تدركه الأوهام ، ولا تنقصه الدهور ، ولا يغيره الزمان . . . هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آله . ) * وقد روى هذا الحديث : هشام بن الحكم ( 8 ) وفيما قرره الإمام علي بن محمد الهادي ع من الدين ، الذي عرضه عليه عبد العظيم الحسني : إن الله تبارك وتعالى واحد ، ليس كمثله
--> ( 1 ) الاحتجاج - للطبرسي - : 27 . ( 2 ) مشكاة الأنوار - للعلوي - : 5 - 176 . ( 3 ) نهج البلاغة : 239 - 40 ، الخطبة 1 ، والاحتجاج - للطبرسي - : 199 ، وانظر : مشكاة الأنوار : 177 . ( 4 ) التوحيد - للصدوق - : 31 . ( 5 ) نهج البلاغة : 269 الخطبة 185 ، مشكاة الأنوار : 176 . ( 6 ) بلاغة الإمام علي بن الحسين ع : 16 . ( 7 ) بلاغة الإمام علي بن الحسين ع : 17 . ( 8 ) التوحيد - للصدوق - : 244 - 245 .